ابن رشد

335

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

كتاب الديات في النفوس والأصل في هذا الباب قوله تعالى : * ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ) * والديات تختلف في الشريعة بحسب اختلاف الدماء ، وبحسب اختلاف الذين تلزمهم الدية ، وأيضا تختلف بحسب العمد إذا رضي بها الفريقان ، وأما من له القود على ما تقدم من الاختلاف . والنظر في الدية هو في موجبها ، أعني في أي قتل تجب ، ثم في نوعها وفي قدرها ، وفي الوقت الذي تجب فيه ، وعلى من تجب . فأما في أي قتل تجب ، فإنهم اتفقوا على أنها تجب في قتل الخطأ وفي العمد الذي يكون من غير مكلف مثل المجنون والصبي ، وفي العمد الذي تكون حرمة المقتول فيه ناقصة عن حرمة القاتل ، مثل الحر والعبد . ومن قتل الخطأ ما اتفقوا على أنه خطأ ، ومنه ما اختلفوا فيه ، وقد تقدم صدر من ذلك ، وسيأتي بعد ذلك اختلافهم في تضمين الراكب والسائق والقائد . وأما قدرها ونوعها ، فإنهم اتفقوا على أن دية الحر المسلم على أهل الإبل مائة من الإبل ، وهي في مذهب مالك ثلاث ديات : دية الخطأ ، ودية العمد إذا قبلت ، ودية شبه العمد . وهي عند مالك في الأشهر عنه مثل فعل المدلجي بابنه . وأما الشافعي فالدية عنده اثنان فقط : مخففة ومغلظة . فالمخففة دية الخطأ ، والمغلظة دية العمد ودية شبه العمد . وأما أبو حنيفة فالديات عنده اثنان أيضا : دية الخطأ ودية شبه العمد ، وليس عنده دية في العمد وإنما الواجب عنده في العمد ما اصطلحا عليه وهو حال عليه غير مؤجل ، وهو معنى قول مالك المشهور ، لأنه إذا لم تلزمه الدية عنده إلا باصطلاح فلا معنى لتسميتها دية ، إلا ما روي عنه أنها تكون مؤجلة كدية الخطأ فهنا يخرج حكمها عن حكم المال المصطلح عليه ، ودية العمد عنده أرباع : خمس وعشرون بنت مخاض ، وخمس وعشرون بنت لبون ، وخمس وعشرون حقة ، وخمس وعشرون جذعة ، وهو قول ابن شهاب وربيعة ، والدية المغلظة عنده أثلاثا : ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة وهي الحوامل ، ولا تكون المغلظة عنده في المشهور إلا في مثل فعل المدلجي بابنه ، وعند الشافعي أنها تكون في شبه العمد أثلاثا